الإيمان والرضا واليقين

عرض المقال
الإيمان والرضا واليقين
2349 زائر
04-07-2009
دكتور / بدر عبد الحميد هميسه

الإيمان والرضا واليقين

المؤمن شعاره الرضا بما قسم الله تعالى له ، والاطمئنان إلى ما قدره وقضاه وهذا الرضا يكسو صاحبه بلون نبيل يضفى عليه سحراً ، ويجعل الانسجام سجيته الأولى ، ويمنعه من الزلل والتهور ويسمو به ، ويحقق له الأمن الكامل ، قال تعالى الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون سورة الأنعام : آية : 82 .
وهذا الإيمان يجعل المؤمن راضياً عن نفسه ، لأنه يعلم أن كل شئ في الكون هو قبس من نور الله ونفحة منه ، وأنه لا يجرى شيء في الكون إلا بعلمه وإذنه ، فهو راضٍ أبدا لا يسخط ولا يقنط ، بل يرضى في الرخاء ويصبر على البلاء .
انظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه الصديق وهما في الغار وخشي الصديق من أن يمس الرسول بأذى فقال له الحبيب صلى الله عليه وسلم في ثقة ورضا ويقين يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله تعالى إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ التوبة (40) .
يروى أن عروة ابن الزبير بن العوام ابتلاه الله تعالى في رجله حتى لم يجدوا بداً من قطعها ، وفى أثناء ذلك ضرب الفرس أحد أبنائه فمات فلما أخبروه قال الحمد لله لقد وهبني الله عز وجل أربعة من البنين فأخذ واحداً وأبقى ثلاثة فله الحمد على ما أخذ ، وله الحمد على ما أعطى ، ووهبني الله رجلين فأخذ واحدة وأبقى لي واحدة ، فأيم الله لئن أخذ الله منى قليلاً فلقد أبقى لي كثيراً ، ولئن ابتلاني مرة فلطالما عافاني مرات نجيب خالد العامر : مواقف إيمانية ، صـ29 .
ويحدثنا التاريخ كذلك عن الخنساء التي قتل أخوها صخر في حرب من حروب الجاهلية فظلت الشهور والأعوام تنوح عليه وقالت فيه :
يذكرني طلوع الشمس صخراً * * * وأذكره بكل غروب الشمس
ولولا كثرة الباكين حولي * * * على إخوانهم لقتلت نفسي
ولقد ضرب بها العرب المثل في البكاء فقالوا ( أبكى من الخنساء ) ولكنها حينما آمنت بالله تعالى ودخلت في الإسلام ، ذهب أبناؤها الأربعة للغزو فقالت لهم ( يا بني إنكم بنو رجل واحد ، كما إنكم بنو امرأة واحدة ، لا خنت أباكم ، ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ، ولا غيرت نسبكم ، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكفار ، فاعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية , وذهب الأبناء للجهاد واستشهدوا جميعا ، وحينما وصلها الخبر قالت : ( الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم جميعاً وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته ) . فانظر إلى الإيمان ماذا يفعل بنفس صاحبه ، وكيف يحول سخطه إلى رضا وشكه إلى يقين ، ويأسه إلى أمل طموح .
والإيمان والأمل صنوان متلازمان ، لأن المؤمن أوسع الناس وأكثرهم أملاً ، وأعظمهم تفاؤلاً واستبشاراً ، وأبعدهم عن اليأس والتبرم والتشاؤم والضجر ، فهو لا يخاف الموت ، ولا يخشى ضيق الرزق لأنه يعلم علم اليقين أن الرازق هو الله تعالى قال سبحانه إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ سورة الداريات : آية 58 .
كما أنه لا يخشى الموت لأن حياته ومماته بيد الله تعالى وحده ، قال تعالى: فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ سورة الأعراف : آية : 34 . ، وهو يعلم كذلك أن النفع والضر بيده سبحانه وأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله تعالى له ، وأن كل الناس لو أرادوا نفعه أو ضره لم ينفعوه ولم يضروه إلا بما كتب الله تعالى له .
كما أن الإيمان الحقيقي هو ما وقر في الجنان وصدقة اللسان وعملت به الأركان ولقد قرن الله في كتابه الكريم الإيمان بالعمل ، فالإيمان ليس نظرية توضع في بطون الكتب للمعرفة وفقط ، بل هو سلوك وتطبيق ومنهج حياة.
ولقد جاءت الأحاديث النبوية تعمق هذا المفهوم فقد وضح النبي أن من تمام الإيمان بالله واليوم الأخر أن ( يكرم الإنسان ضيفه ، ويحسن إلى جاره ، ويقل خيراً أو ليصمت ) .
وروى أنس عن النبي أنه قال : ما أمن بى من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلمالهيثمى : مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، جـ 8 ، صـ 167 .
كما أخبرنا أن أقرب الناس إليه يوم القيامة أحسن الناس أخلاقاً ، وبأن المرء يبلغ الجنة ورضوان الله والفردوس الأعلى بحسن الخلق .
والمؤمن الواثق من نفسه ذو همة عالية لا تعرف الفتور والخور ، فإن العقيدة المكينة معين لا ينضب للنشاط الموصول والحماسة المذخورة ، واحتمال الصعاب ومواجهة الأخطار بل هو سائق حثيث يدفع إلى لقاء الموت دون تهيب ، إن لم يكن لقاء محب مشتاق ... تلك صنيعة الإيمان إذا تغلغل وإستمكن ! إنه يضفى على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله فإذا تكلم كان واثقاً من قوله ، وإذا اشتغل كان راسخاً في عمله ، وإذا اتجه كان واضحاً في هدفه محمد الغزالي : خلق المسلم ، صـ98 .
فصاحب الإيمان القوى لا يعجز وفى الحديث : والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الامانى .
وهناك علاقة تصاعدية وتفاعلية بين الإيمان والعمل ، ومن هنا ندرك دور الإيمان في توصيل المؤمن إلى القمة ، بل هو الطريق الأقصر للوصول إلى القمة ، حيث إن الإيمان قوة محركة هائلة للإنسان المؤمن تدفعه نحو المزيد من العمل والعطاء وبالعمل يصل الإنسان إلى طموحاته وأهدافه عبد الله أحمد اليوسف : الصعود إلى القمة ، صـ52 .
ولقد كان النبي يستعيذ بالله من العجز والكسل لأن لان العاجز الكسول يفقد الثقة بل وبكل شئ ولا يرى الحياة إلا من ثقب ضيق .
قيل : إن صلاح الدين الأيوبي كان يتفقد جنوده ليلاً وهو يجهز لمعركة حطين ، ويقول عن الخيمة التي يمر عليها ولا يسمع دوى القرآن فيها : من هذه الخيمة سوف نؤتى .
عَنِ الْحَسَنِ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَ النَّاسَ ، فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ ، وَالْمُعَافَاةِ ، فَسَلُوهُمَا اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ.أخرجه أحمد 1/8(38).
وهذا هو نبي الله أيوب عليه السلام: قالت له امرأته: لو دعوت الله أن يشفيك، قال: ويحك! كنا في النعماء سبعين عاماً فهلمي نصبر على الضراء مثلها، فلم ينشب إلا يسيراً أن عوفي. الزمخشري : ربيع الأبرار 1/ 412.
وحينما هاجر إبراهيم عليه السلام بزوجه هاجر وولدهما إسماعيل ووضعهما بمكة في موضع زمزم ، فلما مضى نادته هاجر: يا إبراهيم إنما أسألك ثلاث مرات: من أمرك أن تضعني بأرض ليس فيها ضَرْع ولا زرع ، ولا أنيس ، ولا زاد ولا ماء؟ قال: ربي أمرني ، قالت في يقين وثقة بالله : فإنه لن يضيِّعنا .
وكان مالك بن دينار يمر بالسوق فيرى ما يشتهيه فيقول: يا نفس اصبري، ما أحرمك ما تريدين إلا لكرامتك علي قال عبد الله الداراني لمالك بن دينار: يا مالك إن سرك أن نذوق حلاوة العبادة وتبلغ ذروة سنامها فاجعل بينك وبين شهوات الدنيا حائطاً من حديد .
قال لمالك بن دينار جار له في مرضه: ما تشتهي؟ قال: إن نفسي لتنازعني إلى شيء منذ أربعين سنة رغيف أبيض ولبن في زجاج، فأتاه به. فجعل ينظر إليه ثم قال: دافعت شهوتي عمري كله حتى إذا لم يبق من عمري إلا مثل ظمء الحمار أجدها، انظروا يتيم آل فلان فادفعوه إليه، ومات بشهوته.الزمخشري : ربيع الأبرار 1/ 414.
عروة بن الزبير: حين رمحت الدابة ابنه فمات، ووقعت الأكلة في رجله فقطعت: كانوا أربعة أخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، وكن أربعة فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثاً. إلهي لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت الجوارح أبليت لقد عافيت، وعزتك لو قطعتني إرباً إرباً لم أزد لك إلا حباً.
أوحى الله إلى داود عليه السلام: تخلق بأخلاقي، وإن من أخلاقي إني أنا الصبور، فاصبر على الأيام صبر الملوك.
قدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله عن حاله وذهاب عينه، فقال: بت ليلة في بطن واد ولا أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، غير صبي صغير وبعير وكان صعباً فنفر، فوضعت الصبي عن منكبي وتبعت البعير، فلم أجاوز حتى سمعت صيحة الصبي، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه يأكله. فاستدرت بالبعير لأحبسه فنفحني برجله فحطم وجهي، فذهبت عيناي. فأصبحت لا عين ولا أهل ولا مال ولا ولد.اذهبوا به إلى عروة ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه فيتسلى.
الزمخشري : ربيع الأبرار 1/ 417.
أغارت الروم على أربعمائة جاموس لبشير الطبري، فلقيه عبيده الذين كانوا يرعونها معهم، فقالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس، قال: فاذهبوا أنتم معها، أنتم أحرار لوجه الله، وكانت قيمتهم ألف دينار، فقال له ابنه: قد أفقرنا! فقال: اسكت يا بني، إن الله اختبرني أن أزيده. الزمخشري : ربيع الأبرار 1/ 416.
ولقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصائب الدُّنْيَا , اللهم أمتعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا , وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا , وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا , وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا , وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِى دِينِنَا , وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا , وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا , وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَاأَخْرَجَهُ النسائي في عمل اليوم والليلة (401) .
وهكذا فإن الإيمان يمنح المسلم الرضا واليقين وهما أساس السعادة في الدنيا والآخرة .

   طباعة 
3 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
التبيان لفضائل ومنكرات شهر شعبان - ركــــن الـمـقـــــــــالات
احصائيات الزوار
احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 183
بالامس : 4330
لهذا الأسبوع : 29852
لهذا الشهر : 14911
لهذه السنة : 2365057
منذ البدء : 13626004
تاريخ بدء الإحصائيات: 4-11-2011 م