رسالة إلى أهل الطموح

عرض المقال
رسالة إلى أهل الطموح
2840 زائر
11-07-2009
دكتور / بدر عبد الحميد هميسه

رسالة إلى أهل الطموح


المرء صاحب الطموح والهمة العالية يكون مميزاً عن غيره من الناس ، فالطموح يعطيه دفعة كبيرة للنجاح و التميز و الهمة العالية هي : الطاقة الكامنة في الإنسان و التي تحركه لفعل الأشياء .. و هي الطاقة الكامنة في الإنسان و التي تحركه لفعل عظائم الأمور التي يعجز عنها من يماثلونه في العمر و الظروف . عبد الحميد البلالى : المصطفى من صفات الدعاة ص 23 .
و تلك الطاقة ينالها الإنسان ويسعى إليها ، و يبذل نفسه في سبيلها ، و تفجيرها داخله ، يقول ابن حزم : لاتبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها و ليس ذلك في ذات الله وباذل نفسه في عرض دنيا كبائع الياقوت بالحصى و العاقل لا يرى لنفسه ثمناً إلا الجنة ابن حزم : مداواة النفوس ص 10 .
قال رسول الله لربيعة بن كعب الأسلى : سل ‍‍‍‍‍‍‍: فقال أسألك مرافقتك في الجنة . أخرجه سلم في كتاب الصلاة ، باب فضل السجود والحث عليه .فانظر إلى هذه الهمة العالية التي تجعل المرء يسعى إلى أعلى قمم الخير و الصلاح ، و لا يرى لنفسه و لا لعمله ثمناً إلا الجنة .قال رجاء بن حيوة ، لما كان عمر بن عبد العزيز والياً على المدينة قال لي : يا رجاء اذهب واشتر لي ثوباً ، فاشتريت له ثوباً جيداً ثمنه خمسمائة درهم ولما أتيته به ولمسه بيده قال : هو جيد لولا أنه رخيص الثمن ! قال رجاء : وبعد سنوات صار عمر أميراً للمؤمنين ، فقال لي يا رجاء اذهب واشتر لي ثوباً فاشتريت له ثوباً متواضعاً ثمنه خمسة دراهم ، ولما أتيته به ولمسه بيده فاجأني بقوله : هو جيد لولا أنه غالى الثمن ، تعجبت كيف يكون الثوب الذي اشتريته له في المدينة من سنوات بخمسمائة درهم رخيص الثمن ، والثوب الذي اشتريته الآن بخمسة دراهم غالى الثمن !! قال رجاء فتأثرت بذلك فبكيت فقال ما يبكيك ؟ قلت له : موقفك ، وكلامك ، فقال لي : يا رجاء إن لي نفساً تواقة ، كلما حققت شيئاً تاقت إلى ما بعده ، يا رجاء : تاقت نفسي إلى ابنة عمى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها ، ثم تاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها ، والآن تاقت نفسي إلى الجنة وأرجو أن أكون من أهلها !! .
يقول الشاعر المتنبي :
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ * * وتأتى على قدر الكرام المكــارمَ
وتعظم في عين الصغير صغارها * * وتصغر في عين العظيم العظائمُ
ويقول ابن القيم وهمة العبد إذا تعلقت بالحق – تعالى – طلباً صادقاً خالصاً محضاً فتلك هي الهمة العالية التي لا يتمالك صاحبها أي لا يقدر على المهلة ، ولا يتمالك صبره لغلبة سلطانها عليه ، وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود ولا يلتفت عنها إلى ما سوى أحكامها ، وصاحب هذه المهمة العالية سريع وصوله وظفره بمطلوبه. ابن القيم : مدارج السالكين ج3 ص 3 .
فالطموح والهمة العالية لابد أن يكونا في الخير ، فإن بعض الناس ذوى همم عالية ولكنها في الشر ، فهم مفاتيح للشر مغاليق للخير ، وأما همة المؤمن فهي في الخير دائماً وهو بهمته يتجاوز جميع الصعاب والمشاق فمن الناس من لا تتجاوز به همته واقع الناس بكثير وتتعداه بل تكاد تستسهل المستحيل ، ولا تخضع له ، وصاحب هذه المهمة نادر في دنيا البشر ولكنه موجود معروف يعرفه الناس ويقتدون به ، والغالب على صاحب هذه المهمة أن يحقق أهدافه وغاياته ، بل يحقق أموراً تحتاج في تصور معظم الناس إلى فريق من العاملين لإنجازها . محمد حسن عقيل : الهمة طريق القمة ص 25 .
قال الشاعر :
قال الغدير لنفسه * * ياليتني نهر كبير
مثل الفرات العذب او* * كالنيل ذي الفيض الغزير
تجري السفائن موقرات* * فيه بالرزق الوفير
هيهات يرضى بالحقير* * من المنى الا الحقير
وانساب نحو النهر لا* * يلوي على المرج النضير
حتى اذا ما جاءه غلب* * الهدير على الخرير
والهمة العالية تحتاج – كذلك – إلى نية عالية حتى لا يكون العمل عبثاً وضلالاً , فالحق الذي يشهد له الكتاب والسنة إن المأمور بالتكاليف الشرعية هو النفس الإنسانية وما الجسد إلا آلة لها ، فإذا كانت فاقدة للعمل الذي أمرت به وهو الإخلاص والنية ، كان العمل الذي يقوم بها العبد ضرباً من العبث والضلال.
قال ابن نباته :
حاول جسيمات الأمور لا تقل * * إن المحامد والعُلى أرزاقُ
وارغب بنفسك أن تكون مقصراً * * عن غاية فيها الطلاب سباقُ
دعا يحيى بن خالد البرمكى ابنه يوماً ، ودعا بمؤدبه وبمن كان ضم إليه من كتابه وأحبابه فقال : ما حال ابني هذا ؟ قالوا : قد بلغ من الأدب كذا وكذا ، نظر في كذا وكذا !قال : ليس عن هذا سألت ، قالوا : قد اتخذنا له من الضياع كذا وغلته كذا ، قال : ولا هذا سألت إنما سألت عن بُعد همته ، وهل اتخذتم له في أعناق الرجال مننا وحببتموه إلى الناس ؟ قالوا : لا ، قال : فبئس العشراء انتم والأصحاب هو والله إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم.
قال ابن الجوزى : واعجبا ابن العزائم ، إن العجز لشريك الحرمان وغبار الراحة يورث التعب ، إن كانت لك عزيمة فليس في لغة أولى العزم ربما عسى ليس عزماً ما مرض القلب فيه ليس هما ماً عاق عنه الظلام البيهقى : المحاسن والمساوئ ص 161 .
نظر رجل إلى معاوية وهو غلام صغير فقال : إني أظن هذا الغلام سيسود قومه ، فقالت هند ( أمه ) : ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه فقط.
فإن تكن الأيام أودت بصحتي * * وعافت خطى عزمي بكل مسددِ
فماكنت خواراً ولا كنت بائساً * * ولست بثاوٍ في فراش ومعتدى
سأمشى إلى الغايات مشى مكافحٍ * * وألــوذ بعز الله في كل معتقدِ
والهمة العالية تحتاج إلى ركوب الأخطار .
قال صفى الدين الحلبي
لا يمتطي المجد من لم يركب الخطرا * * و لا ينال العلى من قدم الحذرا
ومن اراد العلى عفوا بلا تعب * *قضى و لم يقض من ادراكها وطرا
لابد للشهد من نحل يمنعه* *لايجتني النفع من لم يحمل الضررا
من فاته العز بالاقلام ادركه* *بالبيض يقدح من اطرافها الشررا
لايحسن الحلم الا في مواطنه* *و لا يلق الوفاء الا لمن شكرا
و لا ينال العلى الا فتى شرفت* *خلاله فاطاع الدهر ما امرا
ولقد ضرب الصحابة الأوائل المثل الطيب في الهمة العالية : فقد رحل جابر الأنصاري شهراً إلى الشام ليسمع حديثا واحد من أحاديث الرسول . الخطيب البغدادي : الرحلة في طلب الحديث ص 110 .
قال الشاعر : أبو القاسم الشابي :
إذا الشعب يوما أراد الحياة * *فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي * * ولابد للقيد أن ينكسر
ومن لم يعانقه شوق الحياة * *تبخر في جوها واندثر
ومن لا يحب صعود الجبال * *يعش ابد الدهر بين الحفر
قال ابن الجوزي في صيد الخاطر 79 : دعوت يوما فقلت: اللهم بلغني آمالي من العلم والعمل، وأطل عمري لأبلغ ما أحب من ذلك. فعارضني وسواس من إبليس، فقال: ثم ماذا؟ أليس الموت؟ فما الذي ينفع طول الحياة؟. فقلت له: يا أبله: لو فهمت ما تحت سؤالي علمت أنه ليس بعبث. أليس في كل يوم يزيد علمي ومعرفتي فتكثر ثمار غرسي، فأشكر يوم حصادي؟. أفيسرني أنني مت منذ عشرين سنة؟ لا والله، لأني ما كنت أعرف الله تعالى عشر معرفتي به اليوم. كل ذلك ثمرة الحياة التي فيها اجتنيت أدلة الوحدانية، وارتقيت عن حضيض التقليد إلى يفاع البصيرة، واطلعت على علوم زاد بها قدري، وتجوهرت بها نفسي. ثم زاد غرسي لآخرتي، وقويت تجارتي في إنفاذ المباضعين من المتعلمين وقد قال الله لسيد المرسلين: وقل رب زدني علما. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال: لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا. وفي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال رسول الله : إن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله عز وجل الإنابة. فيا ليتني قدرت على عمر نوح، فإن العلم كثير، وكلما حصل منه حاصل رفع ونفع.
اللهم اجعلنا من أصحاب الهمم العالية , واجعل أعلى همتنا الفوز برضاك وبجنة الخلد .

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 5 = أدخل الكود
جديد المقالات
جديد المقالات
التبيان لفضائل ومنكرات شهر شعبان - ركــــن الـمـقـــــــــالات
احصائيات الزوار
احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 1657
بالامس : 4618
لهذا الأسبوع : 48757
لهذا الشهر : 38981
لهذه السنة : 1743016
منذ البدء : 11124123
تاريخ بدء الإحصائيات: 4-11-2011 م