كيف تجد قلبك ؟

عرض المقال
كيف تجد قلبك ؟
2921 زائر
03-10-2009
دكتور / بدر عبد الحميد هميسه

كيف تجد قلبك ؟

روى البيهقي والحاكم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مَا وَرَاءَكَ؟ ». قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ. قَالَ: « كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟». قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: « إِنْ عَادُوا فَعُدْ ». القلب أيها الأحبة أمير على الإنسان يصلح الإنسان بصلاحه ويفسد بفساده قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: « أَلاَ وَإِنَّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ ».أخرجه أحمد 4/269(18558) والبُخَارِي 1/20(52) ومسلم5/50(4101) .
قال ابن رجب - رحمه الله – تعليقا على ذلك ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمة جامعة لصلاح حركات ابن آدم وفسادها؛ وأن ذلك كله بحسب صلاح القلب وفساده، فإذا صلح القلب صلحت إرادته، وصلحت جميع الجوارح؛ فلم تنبعث إلا إلى طاعة الله واجتناب سخطه، فقنعت بالحلال عن الحرام. وإذا فسد القلب فسدت إرادته، ففسدت الجوارح كلها؛ وانبعثت في معاصي الله - عز وجل -، وما فيه سخطه، ولم تقنع بالحلال؛ بل أسرعت في الحرام بحسب هوى القلب وميله عن الحق . ( شرح جامع العلوم والحكم ). قال أبو هريرة رضي الله عنه : القلب ملك ، والأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طابت جنوده ، وإذا خبث الملك خبثت جنوده ..
قال تعالى ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا ) ( الفتح : 18) .ولقد فصل القرآن الكريم في أنواع القلوب فذكر منها :
القلوب الطيبة الطاهرة المؤمنة ومنها :
1- القلوب المطمئنة ) الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }الرعد28 .
2- القلوب السليمة وهو مخلص لله وخال من الانحرافات {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }الشعراء89
3- القلوب المنيبة: وهو دائم الرجوع والتوبة إلى الله {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ . ق33.
4- القلوب الوجلة : وهو الذي يخاف الله عز وجل {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...}الحج35 .
5- القلب التقـي: وهو الذي يعظم شعائر الله {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ .الحج32.
6- القلـوب المخبتـه:{... فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .الحج54 .
7- القلـوب المؤلفـه:{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال63.
القلوب السوداء الخبيثة ومنها :
1- القلب الغليظ: وهو الذي نزعت منه الرأفة والرحمة {... { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } (159) سورة آل عمران .
2- القلوب الزائغه : {... فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ ...}آل عمران7.
3- القلب الغافـل: وهو الذي يغفـل عن أداء دوره ووظيفته في الحياة {... { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (28) سورة الكهف.
4- القلب القاسي: وهو الذي لا يعرف الله ولا يذكره {... فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ... }الحج53.
5- القلوب المغلفة : {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ...}البقرة88 {...وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا ... }النساء155.
6- القلب المريض: وهو الذي أصابه مرض مثل الشك أو النفاق {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً ... }البقرة10. {... فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ... }التوبة125.
7- القلب الأعمى: وهو الذي لا يبصر الحق { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }الحج46 .
والآن سل نفسك أين أجد قلبي من هذه القلوب ؟ وأين أطلبه ؟
قال أحد الصالحين : اطلب قلبك في ثلاث مواطن :عند سماع القرآن ,وفي مجالس الذكر وفي أوقات الخلوة ،فإن لم تجده في هذه المواطن فاسأل الله أن يعطيك قلبا فإنه لا قلب لك.
قال الشافعي :
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ‍* * * جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ‍* * * بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلت تعفو عن الذنب لم تزل ‍* * * تجود وتعفو منّة وتكرّما
فلولاك لم ينجو من إبليس عابد * * * وكيف وقد أغوى صفيّك آدما
ذكر الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه القيم (الوابل الصيب) للذكر أكثر من سبعين فائدة .
* منها أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره ، ويرضى الرحمن عز وجل ، ويزيل الهم والغم والحزن ، ويجلب للقلب الفرح والسرور والبسط .
* ومنها : أنه يقوي القلب والبدن ، وينور الوجه والقلب ويجلب الرزق .
* ومنها : أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة ، ويورثه المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ومدار السعادة والنجاة .
* ومنها : أنه يورث المراقبة حتى يدخل العبد في باب الإحسان فيعبد الله كأنه يراه ، ويورثه الإنابة والقرب ، فعلى قدر ذكر العبد لربه يكون قربه منه ، وعلى قدر غفلته يكون بعده عنه .
* ومنها : أنه يورث ذكر الله عز وجل ، قال تعالى : ( فاذكروني أذكركم)(البقرة/152) ، وفي الحديث القدسي : فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم .
* ومنها : أنه يورث حياة القلب كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : الذكر للقلب كالماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء .
* ومنها : أنه يورث جلاء القلب من صداه ، وكل شيء له صدأ ، وصدأ القلب الغفلة والهوى ، وجلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار .
* ومنها : أنه يحط الخطايا ويذهبها ، فإنه من أعظم الحسنات والحسنات يذهبن السيئات.
قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ((من قال في يوم وليلة سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ، وإن كانت مثل زبد البحر))(رواه البخاري ومسلم) .
إن لله تعالى في أرضه آنية هي القلوب , فأحبها إلى الله تعالى أصلبها وأرقها و أصفاها .
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي * وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للحبيب مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
وعندما سئل صلى الله عليه وسلم في الحديث أي الناس أفضل؟قال : كل مخموم القلب صدوق اللسان قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر بإسناد صحيح.
قال الترمذي : حياة القلوب الإيمان، وموتها الكفر وصحتها الطاعة، ومرضها الإصرار على المعصية ويقظتها الذكر، ونومها الغفلة ويقال أيضاً : الذنب على الذنب يظلم القلب حتى يسود .
عن أنس قال: كنا جلوسا مع رسول الله فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله مثل، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئا، غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولاهجر، ولكني سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرار: يطلع الآن رجل من أهل الجنة، فطلعت أنت الثلاث المرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي بك، فلم أرك تعلم كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟، قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، قال عبدالله: هذه التي بلغت بك وهي التي لاتطاق البيهقي شعب الإيمان 5 / 265. وكان يقول صلى الله عليه وسلم : لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئاً ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر ..
قال ابن القيم في الجواب الكافي: القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرئاسة ، فسلم من كل آفة تبعده عن الله ، وسلم من كل شبهة تعارض خيره ، ومن كل شهوة تعارض أمره ، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده ، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله ..
وعن سفيان بن دينار قال : قلت لأبي بشر : أخبرني عن أعمال من كان قبلنا ؟ قال : كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً قال : قلت ولم ذاك ؟ لسلامة صدورهم .
وهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول إني لأسمع أن الغيث قد أصاب بلداً من بلدان المسلمين فأفرح به ومالي به من سائمة . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شراَ وأنت تجد لها في الخير محملاً .ويقول الشافعي رحمه الله تعالى : من أراد أن يقضي له الله بخير فليحسن ظنه بالناس . وقال محمد بن سيرين رحمه الله تعالى : إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذراً ، فإن لم تجد له عذراً فقل لعل له عذراً . ويقول ابن مازن: المؤمن يلتمس المعاذير ، والمنافق يلتمس العثرات .
لما عفوت ولم أحقد على أحد * * * ‍ أرحت نفسي من هم العداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيته * * * ‍ لأدفع الشــر عني بالتحيات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه * * * ‍ كما إن قد حشى قلبي محبات
الناس داء وداء الناس قربهم* * * وفي اعتزالهم قطع المـودات
عن عبد الرحمن بن حفص القرشي قال: بعث الأمراء إلى عمر ابن المنكدر بمال، فجاء به الرسول فوضعه بين يديه، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، ثم جاء أبو بكر، فلما رأى عمر يبكي جلس يبكي لبكائه، ثم جاء محمد، فجلس يبكي لبكائهما، فاشتد بكاؤهم جميعاً. فبكى الرسول أيضاً لبكائهم،ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك، فأرسل ربيعة بن أبى عبد الرحمن ليستعلم عن ذلك البكاء،فجاء ربيعة فذكر ذلك لمحمد، فقال محمد: سله فهو أعلم ببكائه، فاستأذن عليه ربيعة، فقال: يا أخي ما الذي أبكاك من صلة الأمير؟ قال: والله إني خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي، فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذلك الذي أبكائى قال: وأمر بالمال فتصدق به على فقراء أهل المدينة، قال: فجاء ربيعة فأخبره الأمير بذلك، فبكى وقال: هكذا يكون والله أهل الخير.
عن زيد بن أسلم قال: دُخل على أبي دجانة رضي الله عنه وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له : ما لوجهك يتهلل ؟
فقال : ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين :- كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني .- كان قلبي للمسلمين سليما.
عن أنس بن مالك قال : دخلنا على عبد الله بن مسعود نعوده في مرضه ، فقلنا : كيف أصبحت أبا عبد الرحمن ؟ قال : « أصبحنا بنعمة الله إخوانا . قلنا : كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : أجد قلبي مطمئنا بالإيمان . قلنا : ما تشتكي أبا عبد الرحمن ؟ قال : أشتكي ذنوبي وخطاياي . قال : ما تشتهي شيئا ؟ قال : أشتهي مغفرة الله ورضوانه . قلنا له : ألا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني » .
فاجعل النور في قلبك حتى تسير على هدى من الله .
ضع في يدي ّ القيد ألهب أضلعي ‍* * * بالسوط ضع عنقي على السكّين
لن تستطيع حصار فكري ساعةً ‍* * * أو نزع إيماني .. ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يديْ ‍* * * ربّي .. وربّي ناصري ومعيني
سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي * * * وأموت مبتسماً ليحيا ديني
وقانا الله وإياكم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن .

   طباعة 
2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
التبيان لفضائل ومنكرات شهر شعبان - ركــــن الـمـقـــــــــالات
احصائيات الزوار
احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 1583
بالامس : 4618
لهذا الأسبوع : 48683
لهذا الشهر : 38907
لهذه السنة : 1742942
منذ البدء : 11124049
تاريخ بدء الإحصائيات: 4-11-2011 م