إياك وعقوق الوالدين

عرض المقال
إياك وعقوق الوالدين
1610 زائر
11-10-2009
دكتور / بدر عبد الحميد هميسه

إياك وعقوق الوالدين
قال تعالى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) سورة الإسراء .
الوالدان هما سبب وجود الإنسان في هذه الحياة بعد الله تعالى , ولهما عليه غاية الإحسان. قال تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ سورة لقمان 14 , فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه.
ولأجل ذلك تكررت الوصايا في كتاب الله تعالى والإلزام ببرهما والإحسان إليهما، والتحذير من عقوقهما أو الإساءة إليهما، بأي أسلوب كان، قال الله تعالى: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) سورة النساء 63 , وعن رسول الله أنه قال: رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما} ( صحيح ) انظر حديث رقم : 3507 في صحيح الجامع .
وروى الإمام أحمد بسند حسن عن معاذ بن جبل قال: أوصاني رسول الله بعشر كلمات قال: لا تشرك بالله شيئاً، وإن قتلت وحرّقت، ولا تعقّنَّ والديك، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك أخرجه أحمد 5/238(22425).
ولقد كان السلف الصالح يبرون أمهاتهم، وضربوا بذلك أروع الأمثلة , تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: رجلان من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم ص كانا من أبر من كان في هذه الأمة بأمهما، فيقال لها: من هما؟ فتقول: عثمان بن عفان، وحارثة ابن النعمان فأما عثمان فإنه قال: ما قدرت أن أتأمل أمي منذ أن أسلمت. وأما حارثة فإنه كان يطعم أمه بيده.
وروى محمد بن سيرين – رحمه الله: كانت النخلة تبلغ بالمدينة ألفاً، فعمد أسامة بن زيد إلى نخلة فقطعها من أجل خمارها، فقيل له في ذلك فقال: إن أمي اشتهته عليَّ، وليس شيء من الدنيا تطلبه أمي أقدر عليه إلا فعلته.
وكان– رحمه الله – إذا كان عند أمه خفض من صوته وتكلم رويداً
ومما يروى عن الصحابي الجليل أبي هريرة – رضي الله عنه: أنه كان إذا غدا من منزله لبس ثيابه، ثم وقف على باب أمه فيقول: السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته، فترد عليه بمثل ذلك فيقول: جزاك الله عني خيراً كما ربيتني صغيراً. فتقول أمه: وأنت يا بني فجزاك الله عني خيراً كما بررتني كبيرة، ثم يخرج فإذا رجع قال مثل ذلك.
ويروى أن أم مسعر استسقت من ابنها مسعر الماء في الليل، فقام فجاءها وقد نامت، وكره أن يذهب فتطلبه ولا تجده، وكره أن يوقظها، فلم يزل قائماً والإناء معه حتى أصبح.
يروى أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، أمي عجوز كبيرة، أنا مطيتها، أجعلها على ظهري، وأنحن عليها بيدي، فهل أديت شكرها..؟ قال عمر بن الخطاب: لا! قال الرجل: لِمَ يا أمير المؤمنين؟ قال عمر بن الخطاب: انك تفعل ذلك بها، وأنت تتمنى موتها لكي تستريح، وكانت تفعل ذلك بك وهي تدعو الله عز وجل أن يطيل عمرك. لقد رأى ابن عمر – رضي الله عنهما – رجلاً قد حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: يا ابن عمر: أتراني جازيتها؟ قال ابن عمر: لا، ولا بطلقة واحدة من طلقاتها، يقصد ألم لحظة الولادة، ولكن أحسنت والله يثيبك على القليل كثيراً.
وقال عليه الصلاة والسلام: (رغِم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، قيل من يا رسول الله؟ قال : من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة ) رواه مسلم.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ، ومنعاً وهات ، ووأد البنات ، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ( متفق عليه).
قال إبان بن صالح : خرجت يوم من عند انس بن مالك نتمشى فلما كنت بسوق البصره ، فإذا أنا بأربعة من الرجال يحملون جنازة ، فقلت عجبا أسواق البصرة عامرة مشتكه بالناس و لم يصحب هذه الجنازة غير أربعة من الرجال ! لأكونن خامسهم ، فسرت معهم حتى أتوا إلى الجبّانه فقلت لهم يا قوم أيكم ولي هذا الميت فليصلي عليه ؟ فقالوا:كلنا فيه سواء ، فتقدم أنت فصّل عليه ، فصليت عليه و واريناه التراب فقلت لهم : بالله عليكم ألا ما صدقتموني بخبر هذا الميت !فقالوا : ما منا من يعلم خبرا غير إن هذه المرأة اكترتنا( أي استأجرننا ) لحمله فالتفت إليها و أذا إنا بامرأة مقبله فجاءت حتى جلست عند القبر ساعة ثم قامت و هي تضحك ، فقلت لها : يا للعجب امرأة تضحك على قبر ميتتها ! ثم قلت لها : بالله عليكم ألا ما أخبرتني مما ضحكت ؟ فقالت : يا هذا مالك وما لا يعنيك ؟ قلت لها : اخبريني فإني إبان خادم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا إبان لو لم تكن ذاك ما أخبرتك بحديث أبدا ، اعلم إن هذا الميت ولدي ، و كان مسرفا على نفسه فلما كان البارحة اشتد به الأمر فنادى ، يا أماه فأجبته فقال :سألتك بالله إلا ما فعلتي بي ما آمرك به ، فقلت له : قل ما بدا لك ، فقال :إذا إنا مت فلا تعلمي بي أحدا من جيراني ، و خذي خاتمي هذا و انقشي عليه لا اله إلا الله محمد رسول الله ، واجعليه بين جلدي وكفني ، فإذا وضعت في قبري فضعي يدك على ظفيره شعرك و ارفعيها إلى الله و اضرعي إليه أن يغفر لي ، و قولي : إلهي قد رضيت عنه فارضي عنه ، ثم قال : يا أماه قومي ثم ضعي رجلك اليمنى على حر وجهي و قولي هذا جزاء من عصي الله عزوجل ، فقمت والله يا إبان ووضعت رجلي هذه المشئومة على حر وجهه ،و جعلت أنادي هذا جزاء من عصي الله عزوجل ، فلما رفعتها من على وجهه حتى مات ، فاكتريت الأربعة رجال ، فغسلوه و كفنوه وحملوه إلى قبره و واروه كما رأيت ، فلما انصرفوا جعلت شعري في يدي كما قال ، و رفعته إلى الله و قلت يا ارحم الراحمين يا أكرم الأكرمين يا خير منزول به قد علمت منا السر والعلن و اطلعت على ما ظهر و بطن ، وقد توسل ولدي العاصي المذنب الخاطئ إليك برضا والدته المسكينة الذليلة و قد رضيت عنه ، فارضا عنه فسمعت صوتا من داخل القبر يقول انصرفي يا أماه فقد قدمت على ربي كريم و قد غفر لي ذنوبي ،فهذا الذي أضحكني ثم ولت و هي مسرورة .
يحكى أن التابعي الجليل مالك بن انس بن مالك رحمه الله قال:انه في يوم عرفة وفي موسم الحج طلعت على جبل عرفة لأرى الحجيج في الموقف فحدثتني نفسي وقلت الله اعلم من تقبل منه من أهل الموقف ومن لم يتقبل منه فأخذت بي عيني فرأيت في غفوتي أن قائلا يقول لي لقد غفر الله لأهل الموسم جميعا إلا فلان بن فلان بن فلان من حجاج اليمن قال مالك بن أنس فانتبهت من غفوتي وكأنه قد وقر في قلبي الاسم الذي سمعته حين غفوتي قال فنفرنا عند الغروب من عرفة إلى مزدلفة وأنا مازلت أفكر في هذا الرجل الذي وقر اسمه في قلبي وعندما وصلنا إلى مزدلفة ذهبت إلى حجاج اليمن لأسأل عن هذا الشخص واعرف قصته قال فذهبت لأسأل عن الرجل فسالت حجاج اليمن أين أجد فلان بن فلان قالوا هذا أزهدنا وأكثرنا تقوى ودين انه الآن يتعبد ويصلى خلف تلك الصخرة قال فذهبت إليه فوجدت شيخا تجاوز السبعين من عمره ورايته يصلي صلاة خاشعة ما رأيت مثله في الخشوع ولا في الركوع ولا في السجود فجلست على يساره انتظره حتى يفرغ من صلاته وأنا أعجب من عظمة خشوعه فيها فلما سلم وفرغ من صلاته نظر إلى وقال اعلم انك أتيتني لتقول لي أن الله لم يتقبل حجتي هذه فعجبت له كل العجب وقلت له نعم إنا ما أتيت إلا لأبلغك أنني رأيت مناديا يقول كل أهل الموسم غفر لهم إلا أنت 0 فسألني من أنت قلت له إنا مالك ابن انس بن مالك الأنصاري فقال ما كذبت يا مالك فقلت له وكيف ذاك يا فلان قال لي إنني منذ أربعين سنة أحج في كل سنه ويأتيني رجل في مثل هذا الوقت ويكون من اعلم أهل الأرض ليقول لي أن الله لم يقبل حجتي ثم بكى بكاء عجيبا وكاد أن يهلك من كثرة البكاء فقلت له ما الذنب الذي ارتكبته حتى انك في كل حجة يأتيك اعلم أهل الأرض ليقول لك انه رأى في منامه أن الله لم يتقبل حجتك من أربعين سنه قال لي بعد أن هدءا إنا من أهل اليمن وكنت شابا فتيا وقويا وكنت أعاقرتا الخمر واشربها وكان بيتنا بعيدا عن الأعمار والقرية وعدت منزلي ذات ليله وكانت أول ليله من ليالي رمضان وكنت متزوجا وتعيش والدتي معنا فعندما أتيت البيت والخمر مازالت تلعب بي طرقت الباب ففتحت لي والدتي وعندما رأت أنني سكران من الخمر قالت لي إلا تتقي الله الناس يستقبلون رمضان بالاستغفار والقران وأنت تستقبله بالخمر ولم اشعر إلا إنني حملتها ورميت بها في تنور النار الذي أوقدته لتعمل لنا فيه خبزا للسحور ونمت ولم أشعر بنفسي إلا ظهر اليوم الثاني من التعب والإرهاق وتلاعب الخمر بعقلي وعندما صحوت من نومتى وجدت زوجتي تبكى وتصيح فقلت لها لم البكاء وأين حامى فأشارت إلى التنور فنظرت إليه فإذا ما به إلا بقية من العظام فقلت من فعل هذا فقالت أنت أتيت البارحة وأنت سكر وفتحت لك أمك بعد أن أوقدت الحطب في التنور ولما رأت ما بك من سكر أرادت نصحك ولكنك رفعتها وقذفت بها في التنور فأكلتها النار حتى لم يبقى إلا العظام وأنا أصيح وأنبهك من نومتك وأنت لا حراك بك من اثر السكر ولم استطع أن اخرج لأدعو الناس فالبيت بعيد عن القرية وخفت من السباع والوحوش في الليل فيا مالك إنا أقسمت على نفسي أن أحج كل سنة حتى يغفر الله لي واجد في كل سنة من يأتي ويقول أن الله لم يقبل حجتي فان عشت إلى العام القادم سوف أحج لعل الله يغفر لي قال مالك فعجبت من أمر هذا الشيخ وكيف انه يتعذب في الدنيا بعقوقه وفعلته فكيف بعذاب الآخرة أن لم تتداركه رحمة ربي وتركته ورحلت .
أغرى امرؤ يوماً غلاماً جاهلاً
بنقوده كيما ينال به الوطر

قال : ائتني بفؤاد أمك يا فتى
ولك الجواهر والدراهم والدرر

فمضى وأغرز خنجراً في نحرها
والقلب أخرجه وعاد على الأثر

لكنه من فرط سرعته هوى
فتدحرج القلب المضرج إذ عثر

ناداه قلب الأم وهو معفر
ولدى حبيبي هل أصابك من ضرر

فكأن هذا الصوت رغم حنوه
غضب السماء به على الولد انهمر

فدرى فظيع خيانة لم يجنها
ولد سواه منذ تاريخ البشر

فاستل خنجره ليطعن نفسه
ويظل دوماً عبرة لمن اعتبر

ناداه قلب الأمر : كف يدا ، ولا
تذبح فؤادي مرتين على الأثر


ولو نظرنا في أحوالنا لوجدنا التقصير الشديد في بر آبائنا وأمهاتنا، ولربما وقع من البعض العقوق، نسأل الله العفو والسلامة.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، واجزهم عنا خير ما جزيت به عبادك الصالحين.

   طباعة 
1 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
11-10-2009 (غير مسجل)

طلبي رضا ربي ومن من ثم والدي

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، واجزهم عنا خير ما جزيت به عبادك الصالحين
[ 1 ]
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
التبيان لفضائل ومنكرات شهر شعبان - ركــــن الـمـقـــــــــالات
احصائيات الزوار
احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 403
بالامس : 4330
لهذا الأسبوع : 30072
لهذا الشهر : 15131
لهذه السنة : 2365277
منذ البدء : 13626224
تاريخ بدء الإحصائيات: 4-11-2011 م