كيف أصبحت ؟

عرض المقال
كيف أصبحت ؟
5510 زائر
28-10-2009
دكتور / بدر عبد الحميد هميسه

كيف أصبحت ؟


عن أنس رضي الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في طريق إذ لقيه حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أصبحت يا حارثة؟ قال : أصبحت والله مؤمناً حقاً ، فقال عليه الصلاة والسلام : أنظر ما تقول ، فإن لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك؟ فقال عزفت نفسي عن الدنيا ، وأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وإلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : عرفت فالزم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من سره أن ينظر إلى رجل نور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى هذا ثم قال : يا رسول الله ، ادع الله لي بالشهادة ، فدعا له ، فنودي بعد ذلك : يا خيل الله اركبي ، فكان أول فارس ركب ، فاستشهد في سبيل الله .راجع : ( الطبراني 3/430 وتفسير الرازي 1/111).
كيف أصبحت ؟ سؤال كبير وخطير يسأله الإنسان لنفسه ولمن حوله .يسأل نفسه كيف أصبحت ؟ هل أصبحت على إسلام وإيمان أم أصبحت على نفاق وعصيان ؟ . هل أصبحت مؤمنا بربي راض بما قدر وقضى لي أم أصبحت ساخطا على ربي غير راض بقضائه وقدره ؟ هل أصبحت وقد أديت ما علىّ من فروض وعبادات أم أصبحت ولم أطهر نفسي بماء الوضوء والوقوف بين يدي ربي وأن أبدأ يومي بالصلاة والدعاء لله رب العالمين ؟.هل أصبحت سعيداً ومتفائلاً أم أصبحت مهموما ومتشائماً ؟ . هل أصبحت وأنا أحب للناس ما أحب لنفسي واكره لهم ما أكره لنفسي أم أصبحت أنانياً لا أحب ولا أهتم إلا بنفسي فقط ولا اعمل إلا لنفسي فقط ؟ هل أصبحت وهمي الدنيا أم أصبحت وهمي الآخرة .
أسئلة كثيرة أسألها لنفسك كل صباح وهذا ما كان يفعله السلف الصالح رضوان الله عليهم . ولكن كانت إجاباتهم تختلف عن إجاباتنا اليوم كانوا يجيبون على سؤال : كيف أصبحت ؟ بما ينطق به لسان إيمانهم وبما يرضي ربهم وخالقهم .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قابل رجلا فقال له : كيف أصبحت يا فلان ؟ قال : أحمد الله إليك يا رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا الذي أردت منك الألباني في السلسلة الصحيحة 6 / 1097 .
عن محمود بن لبيد قال : لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق فثقل ، حولوه عند امرأة يقال لها : رفيدة ، وكانت تداوي الجرحى ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر به يقول : « كيف أمسيت ؟ » ، وإذا أصبح : « كيف أصبحت ؟ » فيخبره . (البخاري الأدب المفرد).
وعن مهاجر هو الصائغ ، قال : كنت أجلس إلى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ضخم من الحضرميين ، فكان إذا قيل له : كيف أصبحت ؟ قال : لا نشرك بالله (البخاري الأدب المفرد).
قال الشاعر :
كيف أصبحت كيف أمسيت مما * * * يزرع الود في فؤاد الكريم؟
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا قَالَ فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ . رواه مسلم في صحيحه ( 7 / 100 ) و البخاري في الأدب المفرد ( رقم 515 ).
وفي الحقيقة إن البدايات هي التي تحدد النهايات ولذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ابتداء يومه بالذكر والدعاء والإخبات لرب الأرض والسماء .عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا أَصَابَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ مِنْ ذَنْبٍ وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي غُفِرَ لَهُ مَا أَصَابَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ(أبو داود ).
وعن أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقُلْتُ لَهُ حَدِّثْنَا مِمَّا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْقَى إِلَيَّ صَحِيفَةً فَقَالَ هَذَا مَا كَتَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مَا أَقُولُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ ( رواه الترمذي).
وعن أبا هريرة يقول قال أبو بكر - رضي الله عنه- : يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي قال قل اللهم فاطر السماوات والأرض { عالم الغيب والشهادة } أو قال اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه . تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح .
وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رجل : هموم لزمتني وديون يا رسول الله قال : أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك ؟ قال : قلت : بلي قال : قل إذا أصبحت وإذا أمسيت : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال . قال : ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عن ديني .( رواه أبو داود ).
فمن أصبح ولا يفكر إلا في أمور الدنيا شغلته الدنيا بهمومها وغمومها وعن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من وراءهم ومن كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ( رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه ).
يقول تعالى في حديث قدسي يا ابن آدم من أصبح حزينا على الدني لم يزدد من الله إلى بعدا وفي الدنيا إلا كدا وفي الآخرة إلا جهدا وألزم الله تعالى قلبه هما لا ينقطع عنه أبدا وأملا تشغله أبا يا ابن آدم ينقص كل يوم من عمرك وأنت لا تدري وآتيك كل يوم برزقك وأنت لا تحمد فلا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع يا ابن آدم ما من يوم إلا ويأتيك رزقك من عندي وما من ليلة إلا ويأتني الملائكة من عندك بعمل قبيح تأكل رزقي وتعصيني وأنت تدعوني فأستجيب لك وخير لك نازل شركك إلي واصل فنعم المولى أنالك وبئس العبد أنت لي تسألني أعطيك و أستر عليك السوءة بعد السوءة وأنا أستحي منك وأنت لا تستحي مني تنساني وتذكر غيري تخاف الناس تأمن مني تخاف مقتهم و تأمن غضبي .
في الأثر: من أصبح و الدنيا اكبر همّه فليس من الله في شيء و ألزم الله قلبه أربع خصال:همّاً لا ينقطع أبدا و شغلاً لا يتفرّغ منه أبدا و فقراً لا يبلغ غناه أبدا و أملا لا يبلغ منتهاه أبدا.
قال بن القيم رحمه الله:إذا أصبح العبد و أمسى و ليس همه إلا الله وحده ، تحمل الله عنه سبحانه حوائجه كلها ، و حمل عنه كل ما أهمه ، و فرغ قلبه لمحبته ، و لسانه لذكره ،و جوارحه لطاعته، و إن أصبح و أمسى و الدنيا همه ، حمله الله همومها و غمومها و أنكادها ووكله إلى نفسه فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق ،و لسانه عن ذكره بذكرهم و جوارحه عن طاعته بخدمتهم و أشغالهم ، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره .. فكل من أعرض عن عبودية الله و طاعته و محبته بلي بعبودية المخلوق و محبته و خدمته .
قال صلى الله عليه وسلم : من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة . ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له .رواه الترمذي
سمعت فرقد السبخي يقول: قرأت في التوراة من أصبح حزيناً على الدنيا أصبح ساخطاً على ربه، ومن جالس غنياً فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، ومن أصابته مصيبة فشكاها إلى الناس فكأنما يشكو ربه عز وجل.( حلية الأولياء 1/409 ).
وقال سهل: من أصبح وهمه ما يأكل ولم يكن همه هم قبره وحال لحده، لو ختم البارحة القرآن ويصلي اليوم خمسمائة ركعة أصبح في يوم في يوم مشئوم عليه، لهمه بطنه.
عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أصبح معافى في بدنه ، آمنا في سربه عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»رواه الترمذي الألباني في السلسلة الصحيحة 5 / 408 .
ليس من بات قريراً عينه **** مثل من أصبح قفرا دارسا
ليس من أكرم بالوصل كمن**** ظل يهذى بلعل وعسى
ليس من ألبس أثواب التقى **** مثل الذي ألبس ثوباً دنسا
ليس من سير به مثل الذي****بات يرعى الحمى مبتئساً
ليس من شاهد صبحاً واضحاً **** مثل الذي شاهد ليلاً غلسا
ليس من بوئ روضات الحمى **** مثل الذي أسكن قفراً يابساً
ليس من أشبه غصناً يانعاً **** مثل من أشبه عوداً يابساً
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال أخذ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ .وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ(البخاري).
قيل لأبي بكر الصديق : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت عبداً ذليلاً لربٍ جليلٍ أصبحت مأموراً بأمره.
وروي عن المروذي قال : قلت لأحمد : كيف أصبحت ؟ قال: كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض , ونبيه يطالبه بأداء السنة , والملكان يطلبانه بتصحيح العمل , ونفسه تطالبه بهواها , وإبليس يطالبه بالفحشاء , وملك الموت يراقب قبض روحه , و عياله يطالبونه بالنفقة .
عن أنس بن مالك قال : دخلنا على عبد الله بن مسعود نعوده في مرضه ، فقلنا : كيف أصبحت أبا عبد الرحمن ؟ قال : « أصبحنا بنعمة الله إخوانا . قلنا : كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : أجد قلبي مطمئنا بالإيمان . قلنا : ما تشتكي أبا عبد الرحمن ؟ قال : أشتكي ذنوبي وخطاياي . قال : ما تشتهي شيئا ؟ قال : أشتهي مغفرة الله ورضوانه . قلنا له : ألا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني ».
وعن الأصبغ بن نباتة قال : دخلت على الحسن بن علي نعوده فقال له علي : كيف أصبحت ؟قال : أصبحت بنعمة الله بارئاً.قال : كذلك إن شاء الله.ثم قال الحسن : أسندوني. فأسنده عليّ إلى صدره ثم قال : سمعت جَدي رسول الله يقول : «يابني أدِّ الفرائض تكن من أعبد الناس، وعليك بالقنوع تكن أغنى الناس، يا بني إن في الجنّة شجرة يُقال لها : شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء فلا يُنصب لهم ميزان ولا يُنشر لهم ديوان، يُصبّ عليهم الأجر صبًّا ثم تلا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} هذه الآية {{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (10) سورة الزمر} ».
ولقد لحق رجل بأويس القرني رحمه الله فسمعه يقول : اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة وبدن عاري ، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني ، وليس شيء من الدنيا إلا ما على ظهري . قال : وعلى ظهره خريقة قد تردى بها .قال : وأتاه رجل فقال له : يا أويس كيف أصبحت؟ أو قال : وكيف أمسيت؟ قال : أحمد الله على كل حال ، وما تسأل عن حال رجل إذا هو أصبح ظن أنه لا يمسي ، وإذا أمسى ظن أنه لا يصبح ، إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحاً ، وإن حق الله عزَّ وجلَّ في مال المسلم لم يدع له في ماله فضة ولا ذهباً ، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع لمؤمن صديقاً ، نأمر بالمعروف فيشتمون أعراضنا ، ويجدون على ذلك من الفاسقين أعواناً ، حتى والله لقد قذفوني بالعظائم ، وأيم الله لا أدع أن أقوم لله فيهم بحقه ، ثم أخذ الطريق . فهذا أويس قد بلغ هذا المقام في الصبر .
قال رجل للحسن البصري كيف أصبحت قال بخير قال كيف حالك فتبسم الحسن ثم قال لا تسأل عن حالي ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت سفينتهم فتلعق كل أناس منهم بخشبة على أي حال هم قال الرجل على حال شديد قال الحسن حالي اشد من حالهم فالموت بحري والحياة سفينتي والذنوب خشبتي فكيف يكون حال من وصفه هذا يا بني فلا بد من ترك الذنوب والفرار إلى علام الغيوب .
عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة ، أنه سمع رجلا يقول لرجل من المسلمين : كيف أصبحت يا صلع ؟ فقال : « يا ابن أخي ، لقد كنت عن لعنة الملائكة غنيا ». ( مساوئ الأخلاق للخرائطي ).
قال ابن الجوزي في بحر الدموع ص 12 ويروى عن المزني، قال: دخلت على الشافعي رضي الله عنه في علته التي مات منها، فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولكأس المنيّة شاربا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى الله واردا، فلا أدري: أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ثم بكى وأنشأ يقول:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ‍* * * جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ‍* * * بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلت تعفو عن الذنب لم تزل ‍* * * تجود وتعفو منّة وتكرّما
فلولاك لم ينجو من إبليس عابد ‍* * * وكيف وقد أغوى صفيّك آدما
وعَنْ رَاشِدِ بن دَاوُدَ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ، أَنَّهُ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِ دِمَشْقَ، وَهَجَّرَ بِالرَّوَاحِ , فَلَقِيَ شَدَّادَ بن أَوْسٍ الأَنْصَارِيَّ , وَالصُّنَابِحِيُّ مَعَهُ، قُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدَانِ , يَرْحَمُكُمَا اللَّهُ؟ قَالا: نُرِيدُ هَهُنَا إِلَى أَخٍ لَنَا مَرِيضٍ نَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا حَتَّى دَخَلا عَلَى ذَلِكَ، فَقَالا لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ بنعْمَةٍ وَفَضْلٍ، فَقَالَ لَهُ شَدَّادٌ: أَبْشِرْ بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ , وَحَطِّ الْخَطَايَا، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ:إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَقُولُ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنًا، فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ، فَإِنَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلُّ: أَنَا قَيَّدْتُ عَبْدِيَ هَذَا , وَابْتَلَيْتُهُ، فَأَجْرُوا لَهُ مَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ صَحِيحٌ. الطبراني
وقيل للربيع بن خيثم كيف أصبحت ؟ قال : أصبحنا ضعفاء مذنبين ؛ نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا…
سمعت أبا الضريس عمارة بن حرب ، يقال له : كيف أصبحت يا أبا الضريس ؟ فيقول : « إن نجوت من النار فأنا بخير »
قلت للحسن : كيف أصبحت يا أبا سعيد كيف حالك ؟ قال : « بأشد حال ، ما حال من أمسى وأصبح ينتظر الموت لا يدري ما يفعل الله به »
سمعت إبراهيم بن عيسى اليشكري ، إذا قيل له : كيف أصبحت ؟ قال : « أصبحت في أجل منقوص ، وعمل محفوظ ، والموت في رقابنا ، والقيامة من ورائنا ، ولا ندري ما يفعل الله عز وجل بنا »
قيل لأبي تميمة الهجيمي : كيف أصبحت ؟ قال : « بين نعمتين : ذنب مستور ، وثناء من هؤلاء الناس ما بلغه عملي »
ثنا عقبة الأصم قال : كنا عند أبي تميمة الهجيمي فجاءه بكر بن عبد الله ،فقال : يا أبا تميمة كيف أصبحت ؟ قال : « بين نعمتين : أميل بينهما لا أدري أيتهما أفضل : ذنب ستره الله علي فلا يستطيع أحد أن يرميني به ، ومحبة رزقنيها الله من عباده وعزة ما بلغها عملي »
سمعت ذا النون بن إبراهيم يقول : وقال له بعض أصحابه : كيف أصبحت ؟ فقال : « أصبحت وبنا من نعم الله عز وجل ما لا يحصى مع كثير ما نعصى فلا ندري على ما نشكر ، على جميل ما نشر أم على قبيح ما ستر ؟ ».
وعن ابن أبي الحجر ، قال : « كنا ندخل على المغيرة بن محمد فنقول : كيف أصبحت يا أبا محمد ؟ قال : أصبحنا مغرقين في النعم ، موقرين من الشكر ، يتحبب إلينا ربنا وهو عنا غني ، ونتمقت إليه ونحن إليه محتاجون ».
فهل نتعلم من هؤلاء كيف نجيب عن سؤال : كيف أصبحت ؟ ونعرف أن الإجابة مكتوبة عند من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم * * إن التشبه بالكرام فلاح
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لحذيفة بن اليمان : كيف أصبحت يا حذيفة ؟ فقال حذيفة : أصبحت أحب الفتنة ، وأكره الحق ، وأصلي بغير وضوء ، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء . فغضب عمر ، ودخل عليه علي كرّم الله وجهه وقال له : على وجهك أثر الغضب يا أمير المؤمنين ، فقص عليه ما أغضبه من حذيفة ، فقال علي : لقد صدق حذيفة ، أما حبه للفتنة فهو يعني المال والبنين ؛ لأن الله تعالى يقول : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) سورة التغابن . وأما أنه يكره الحق فهو يكره الموت ، وأما صلاته بغير وضوء فيعني بها صلاته على النبي ، وأما ما له في الأرض ما ليس لله في السماء ، فهو يعني أن له زوجة وولدا وليس لله زوجة ولا ولد . فقال عمر : والله لقد أقنعتني وأرحتني .
أصبحت ضيف الله في دار الرضا * * * وعلى الكريم كرامة الضيفان
تعفو الملوك عن النزيل بساحهم * * * كيف النزول بساحة الرحمن
يا رب عبد من عبادك مشفق * * * بك مستجير من لظى النيران
فارحم تضرعه إليك وحزنه * * * وامنن عليه اليوم بالغفران
اللهم جنبنا الزلل في القول والعمل .

   طباعة 
2 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
1 + 8 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
التبيان لفضائل ومنكرات شهر شعبان - ركــــن الـمـقـــــــــالات
احصائيات الزوار
احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 1138
بالامس : 4851
لهذا الأسبوع : 1137
لهذا الشهر : 43312
لهذه السنة : 1747347
منذ البدء : 11128455
تاريخ بدء الإحصائيات: 4-11-2011 م